إن إقصاء النساء عن مجالات الفعل البشري، خاصة في ميادين الإبداع، يعطّل النشاط البشري لدى النصف الأفضل، إمكانا في بعض مجالات النشاط البشري، إن أتيحت له الفرص المتساوية، من البشرية، ومن ثم في المجتمع بأسره.
وبناء عليه تهدر المجتمعات التي تهمِّش النساء فرص التنمية الإنسانية فيها. ويستند هذا الزعم إلى الحجج التالية.
أولا: لا يثور خلاف في أن حرمان النساء من القدرات البشرية، ومن القدرة على الإبداع والإنتاج بوجه خاص، يحرم المجتمع، كمياً، من إبداع ما يقارب نصف الناس فيه.
ولكن، بالإضافة، يتفاوت معمار المخ البشري حسب الجنس/النوع[1] بما ينشئ علاقة محددة بين البيولوجيا وهوية النوع (الاجتماعي).
ثانيا: من حيث النوع، يستقر في الأدبيات العلمية الأحدث أن للنساء قدرات مميزة عقلية (راجع قائمة المراجع الخاصة بالقدرات العقلية للنساء) تعود أولا،ً لقوة الترابط بين فَصّيْ المخ، مما يؤدي إلى إمكان أعلى للنشاط المتزامن في فصي المخ عند النساء (نادو، بالإنجليزية، 1996: 50-51) و (جيبيكي وآخرون، بالإنجليزية، 1993: 7-15). ومن ثم القدرة الأفضل على توظيف المنطق والحدس، كليهما، مما ينشئ إطاراً معرفيا يتجاوز أيهما، في اتخاذ القرار والإبداع كليهما. ويتفرع عن هذا الفرق تفاوت ملحوظ في شدة نسبية في حواس اللمس والتذوق والشم والسمع لدى النساء.
يسمى حزام الأنسجة الذي يربط نصفي المخ الأيسر والأيمن، الكتلة الوسيطة massa intermedia، وتدل الدراسات على أن هذه الكتلة أكبر، في المتوسط وبفارق معنوي، عند النساء مما هي لدى الرجال. فعلى الرغم من أن كتلة مخ الرجل تزيد عن كتلة مخ المرأة، فإن الكتلة الوسيطة تزيد عند النساء، في المتوسط، بأكثر من النصف (نادو، بالإنجليزية، 1996: 46) و (ويتلسون، بالإنجليزية، 1991: 131-155).
وليس غريبا، والأمر كذلك، أن استقر أن للنساء قدرات وجدانية متميزة، تستمد أساسا من هذه القدرات العقلية المميزة لهن، وتزداد أهميتها على خلفية بروز مفهوم تعدد الذكاءات و "الذكاء الوجداني"[2]intelligence emotional عوضا عن المعاني التقليدية للذكاء[3] (جولمان، بالإنجليزية، 1995).
وتدل الدراسات على وجود فروق مهمة بين الجنسين في عديد من مناطق المخ. حيث يمتلك الرجال، في المتوسط، قدرة أفضل في مناطق المخ، البدائية التكوين، المتصلة بالحركة بينما تمتلك النساء، في المتوسط، قدرات أفضل في مناطق المخ، الأحدث تطورا، والمتصلة بالبنى الرمزية، مع مجال واسع من التداخل، بحيث يزيد التباين داخل كل جنس عنه بين الجنسين (نادو، بالإنجليزية، 1996: 52- 53، 131) و(جور وآخرون، بالإنجليزية، ،1995: 528-531). وعلى وجه الخصوص، تمتلك النساء، في المتوسط، قدرات لغوية أفضل، مما يمكن أن يسهم، بالإضافة إلى التوظيف الأفضل لكلا فصي المخ، في تفسير قدرتهن الأكبر على الحدس.
ويتمثل الجنسان الفضاء space ثلاثي الأبعاد بشكل مختلف. فيزداد اعتماد مخ المرأة على القص (الحكي) والعلامات المرئية، بينما يفضل مخ الرجل تركيب المتجهات vectors التي تعلم المسافات والتوجه بين نقطة في الفراغ وأخرى (نادو، بالإنجليزية، 1996: 56) و (بيفر، بالإنجليزية، 1992).
وهكذا، فإن هناك جانبا من الذكاء الإنساني، يسمى الذكاء المكاني spatial intelligence، يتفوق فيه الرجال في المتوسط على النساء. ويدعو ذلك إلى نظرة متوازنة تقوم على أن خير البشرية يستدعي تكامل القدرات البشرية للنساء والرجال كليهما، مع احترام الفروق بينهما، وتوظيفها بكفاءة في بناء التنمية الإنسانية.
وتعود القدرة المخية الأفضل للنساء، ثانياً، إلى قدرة عقل المرأة، كما في الحواسيب الإلكترونية المتقدمة، على التعامل مع "تعدد المهام" multi-tasking[4] الذي يبدو للرجال - نتيجة لافتقاد نسبي للقدرة ذاتها- تشوشاً أو ضعفاً في القدرة على التركيز، بينما هو في الواقع قدرة أعلى على إدارة المواقف المعقدة.
فلا عجب، إذن، ألا يقل إنجاز البنات في التحصيل التعليمي، خاصة في اكتساب المهارات، عندما تتاح لهن الفرص متكافئة، عن أقرانهن من الصبية، بل يتفوقن عليهم في أحيان، حتى أضحت البنات نخبة المتعلمين في كثرة من البلدان العربية، كما سيظهر من الفصل الثاني.
ثالثا: للنساء، خلافاً للوهم الشائع عن ضعف النساء، في المنظور العضلي القاصر[5]، قدرات جسدية أفضل من الرجال.
فمن الثابت، علمياً، الآن أن النساء أقوى من الرجال ، فسيولوجيا[6]، بما يسمح لهن، بدايةً، بامتلاك القدرة على أعقد العمليات الحيوية في الجنس البشري، أي الحمل والإنجاب.
يسمح هذا التميز الجسدي للنساء بالعيش حياة أطول في المتوسط، حين تتاح لهن فرصٌ متساوية في الغذاء والرعاية الصحية طبعا[7].
كل هذه الخصال ترتب للنساء، عند إطلاق طاقاتهن التي تحبسها عادة المجتمعات المتخلفة، ميزات مهمة في مجالات الإبداع ومختلف شؤون الحياة.
رابعا: حيث أن التنوع أساس جوهري لحفز الإبداع من خلال التلاقح cross-fertilisation، فإن غياب النساء من حلبة الفعل البشري عامة، والإبداع خاصة، يؤدى إلى فقرٍ في إبداع الرجال أنفسهم، أي، في النهاية، فقر إبداع المجتمع بكامله.
ومن ثم، فإن حرمان المجتمع من إبداع النساء يحرم المجتمع من إبداع نصفه الأفضل إمكانا، على الأقل في بعض جوانب النشاط البشري. وبهذا، فإن خسارة المجتمع ككل من إضعاف قدرات النساء الإبداعية، تتعدى مجرد نصف كم الإبداع المنتظر من أفراده. ولكنها تعني في حقيقة الأمر الحرمان من القسم الأرقى، إمكاناً، من الإبداع البشري بكامله.
خلاصة القول أن النساء لسن ناقصات، لا عقلا ولا جسدا. هن بالتأكيد مختلفات عن الرجال، ومن نواح كثيرة أشرنا إليها، إلى الأفضل!
لكن المخ البشري ليس مجرد صفحة بيضاء تسطر عليها البنى الثقافية خاتمها. إذ يعيد كل من الرجل والمرأة تركيب هذه البنى بشكل مختلف نتيجة لفروق في معمار المخ، وما يترتب عليها من فروق في الجهاز الحسي (نادو، بالإنجليزية، 1996: 96). بعبارة أخرى، يترتب على الصلة بين البيولوجيا وهوية النوع أن المجتمع الذي تسوده المساواة بين الجنسين لا يمكن أن يكون محايدا بين النوعين (نادو، بالإنجليزية، 1996).
وتفضي الصياغة الإيجابية للمقولات السابقة إلى أن نهوض المرأة شرط لازم لحفز الإبداع والتنمية الإنسانية في المجتمعات البشريةعامة، وفي البلدان العربية خاصة حيث يستشري تهميش النساء.
لكن تفاوت الأدوار الإنجابية أكسب الرجال، بلا شك، ميزة غير عادلة على النساء في المجال العام. وسمحت هذه الميزة للرجال بتشكيل الرؤى الثقافية التي أضفت الشرعية على الهيمنة الذكورية.
--------------------------------------------------------------------------------
[1] يعبر "الجنس" عن الفروق البيولوجية-الفسيولوجية في الجسد، و "النوع" عن السلوك المكتسب، وموقعه العقل mind.
[2] لا يعني الذكاء الوجداني، كما قد يتبادر إلى ذهن العامة، الحساسية العاطفية. وتتفاعل في تكوين الذكاء الوجداني قدرات متعددة، بعضها نفساني والآخر اجتماعي، تشمل ضبط النفس، والتحكم في المزاج، والحماس، والمثابرة، وحفز الدافعية الذاتية، وإرجاء الإشباع، ومنع الإحباط من تعطيل القدرة على التفكير، وإعلاء الأمل، والتعاطف مع الآخرين. ويشير أنصار الذكاء الوجداني إلى أن الذكاء التقليدي، مقاساً بنسبة الذكاء، ليس قميناً بتحقيق النجاح في الحياة، حيث يحقق بعض محدودي الذكاء، بالمقياس التقليدي، نجاحات باهرة، بينما يفشل بعض من مرتفعي نسبة الذكاء فشلاً ذريعاً.
[3] بمعنى التفوق الرياضي والمنطقي IQ. وقد عرّف "هوارد جاردنر" (بالإنجليزية، 1993) سبعة صنوف أساسية من الذكاء: اللغوي، والموسيقى، والمنطقي-الرياضي، والمكاني، والجسدي- الحركي، والنفساني (التبصر- المعرفة الورائية) intrapersonal والاجتماعي (العلاقات ما بين الأشخاص) interpersonal. وفى معين الذكاء لشخص محدد، تمتزج هذه الصنوف الأساسية كلها بنسب متفاوتة في مزيج فريد خاص بها (به).
[4] مَنْ مِنَ الرجال من لم تدهشه مثلا قدرة النساء على متابعة حديثين في موقعين مختلفين في وقت واحد، أو- وهو مثل تقليدي في الأدبيات عن الموضوع - على الرد على مكالمة هاتفية أثناء إعداد الطعام وإرضاع طفل في آن؟
[5] الذي يكتسب مصداقية فقط في منظور العصر الحجري للبشرية، أما في عصر المعرفة فحري أن تصبح القدرات المخية هي معيار التفضيل النسبي بين أفراد الجنس البشري.
[6] يتبدى هذا حتى في اختيار رمز مورثات الجنس، وهي بالإنجليزية X و Y، وليس الرمز الثاني، الخاص بالذكور، إلا الأول منقوص ضلعاً، مما يجافي الخرافة الشائعة بأن المرأة أتت من "ضلع ناقص". والحق، فسيولوجيا، أن الرجل، جسديا، هو تكوين منقوص، بالمقارنة بالمرأة، نتيجة لغياب القدرة على الحمل والإنجاب، وهي القدرة الجسدية الأعقد في الجنس البشري. إذ تستطيع المرأة أن تحمل وتغذي الجنين الذي ينمو معتمدا على جسمها وما يوفره له من مكونات النمو مثل الكالسيوم للعظام والفيتامينات وغيرها. وأثناء الحمل يكون قلب الأم مطالبا بضخ الدم في جسدها وجسد الجنين سويا؛ ولذلك فإن قلب المرأة يعد أقوى من قلب الرجل أثناء فترة الخصوبة، مما يجعلها أقل عرضة للإصابة بأمراض القلب والشريان التاجي، ويعزى ذلك إلى وجود هورمون "الاستروجين" في دم المرأة خلال فترة الخصوبة.
ويتيح التركيب "الكروموسومي" أيضا مزايا للنساء، حيث تتمتع النساء بزوج من "كروموسوم" X، الذي يلعب دوراً مهما في دعم جهاز المناعة، ويمكّن من إصلاح العيوب الوراثية التي قد تلحق بأحدهما، وهو ما لا يسمح به التركيب المقابل في حالة الذكور الذين لديهم واحد من كل من الكروموسومين: Y و X . والنتيجة هي قدرة مناعية أفضل للإناث.
وتتوافر دلائل أخرى على التفوق الفسيولوجي للإناث. فبينما تتخلق النطفة ذكراً بمعدل 115 لكل 100 أنثى، تتعرض الأجنة الذكور للإجهاض بمعدلات أعلى من الإناث. وتكشفت علاقة طردية بين هرمون الذكورة "تيستسترون" وارتفاع معدلات "الكوليسترول" السيئ، وأخرى عكسية مع "الكوليسترول" الجيد، بينما يبدي هرمون الأنوثة "إستروجن" ارتباطات عكسية، ويخفف بالإضافة من تأثير الخلايا المؤكسِدة free radicals.
[7] بينما يتوافر من الدراسات السكانية دليل على أن الممارسة الفعلية حين تحرم البنات والنساء من الرعاية الصحية والاجتماعية التي تسبغ على الصبية والرجال في المجتمعات "الذكورية" تؤدي إلى مستوى أدنى من الصحة، وأعلى من الوفاة، بين البنات والنساء (مثلا: سِن، بالإنجليزية، 1999). ولعل أشد أشكال هذه التفرقة ضراوة هو وأد البنات عند عرب الجاهلية، الذي حرّمه الإسلام قطعا، ونظيره المعاصر هو ممارسة إجهاض الأجنة الإناث في بعض المجتمعات المتخلفة والذي يستغل، للعجب، أحد منجزات العلم الحديث بإمكان التعرف على نوع الجنين قبل الميلاد.