رابعة العدوية العبدة الزاهدة
يقول البعض بأن لا حياة بدون امرأة .. ولا يمكن الاستغناء عنها في أي حال من الأحوال بينما آخرون يحاولون اختباء وراء ستار اللا مبالاة لوجودها في عالم ذكوري بامتياز لا يعترف إلا بكينونة الرجال ...
المهم أن الأنثى سارت على درب التحدي والصمود ولم تلتفت إلى الوراء لتكمل السير قدما ... وقد استطاعت أن تضع لها اسما من ذهب بين لائحة أبطال التاريخ على مر عصور طويلة بدءا ببزوغ فجر الإسلام إلى يومنا هذا ..
من منا يستطيع نسيان السيدة آمنة بنت وهب سيدة الأمهات وأم الرسول ... وحليمة السعدية مرضعته ... وخديجة بنت خويلد الحنون الصامدة والسيدة عائشة بنت الصديق ودورها الفعال في خدمة الفكر الإسلامي .. وفاطمة الزهراء المحجوبة عن النار ورقية بطلة الهجرتين وأم كلثوم بنات الرسول الأعظم رضي الله عنهن والصحابيات الجليلات اللواتي أبلين بلاء حسنا أثناء المعارك وروين عن الرسول الكريم أكثر من حديث . وغيرهن من نساء العصر اللواتي واجهن الزمن في صمت ..
سنحاول إذن الإلتفات إليهن بهذه المناسبة علنا ننفض بعض الغبار عن ذاكرتنا التي طالها نسيان أسماء يشهد لها التاريخ بدورها في تغيير مجرى أحداثه تماما..
رابعة العدوية العابدة الزاهدة
رابعة العدوية بصرية، زاهدة عابدة، خاشعة، امرأة عاشت حياتها عكس سائر الناس، انعزلت في دنيا التصوف بعيدة عن أمور الدنيا، ألف الباحثون في تحديد هويتها وسيرة حياتها، وقد مزجوها برابعة الشامية وهي صوفية من الشام جاءت بعد رابعة العدوية الشخصية التي أول من عرف ووضع معنى للحب الإلهي عند المسلمين وتأثر فيها الكثيرين.
نسبها : كما ذكر أن أراء الباحثين لم تتفق على تحديد هوية رابعة، فالبعض يرون أنها مولاة لآل عتيق ، وآل عتيق بطن من بطون قيس والبعض الآخر يرون أن آل عتيق بني عدوة ولذا تسمى العدوية وأما كنيتها فأم الخير .. وقيل إن اسم رابعة يعود إلى أنها ولدت بعد ثلاث بنات لأبيها، عاشت في البصرة خلال القرن الثاني الهجري، وقد عمرت حوالي ثمانين عاما.
نشأتها : ذكر المؤرخ الصوفي فريد الدين العطار في {تذكرة الأولياء} بأن رابعة : ولدت في بيت فقير جدا، وتوفي أبوها وهي في مرحلة الطفولة، ولحقت به أمها فذاقت رابعة مرارة اليتم الكامل وبذلك أطلق الشقاء عليها وحرمت من الحنان والعطف والحب الأبوي، بعد وفاة والديها غادرت رابعة مع أخواتها البيت بعد أن دب البصرة جفاف وصل ال حد المجاعة ثم فرق الزمن بينها وبين إخوتها وبذلك أصبحت رابعة وحيدة مشردة لا معيل لها ولا نصير.
حياتها : اختلفت الآراء حول أن رابعة عاشت حياتها بلا بيت، بلا مال، وبلا زواج، غير أنه يبدو أن رابعة كانت مولاة، وكانت تعزف الناي ثم كانت مغنية، {هذا ما قاله العطار} وأنها كانت على قدر من الجمال الحسن وقد نقل اليافعي نص بعض الصالحين خطر لي أن ازور رابعة العدوية – رضي الله تعالى عنها- وأنظر أصادقة هي في دعواها أم كاذبة فبينما أنا كذلك وإذا بفقراء قد أقبلوا ووجوههم كالأقمار ورائحتهم كالمسك، فسلموا علي وسلمت عليهم وقلت : من أين أقبلتم ؟ فقالوا : يا سيدي حديثنا عجيب فقلت لهم : وما هو. فقالوا : نحن من أبناء التجار الممولين. فكنا عند رابعة العدوية –رضي الله عنهاــ في مصر{ولعلها البصرة} فقلت : وما سبب ذهابكم إليها فقالوا : كنا ملتهين بالأكل والشرب في بلدنا. فنقل لنا حسن رابعة العدوية وحسن صوتها. وقلنا لابد أن تذهب إليها ونسمع غناءها وننظر إلى حسنها فخرجنا من بلدنا إلى أن وصلنا إلى بلدها، فوصفوا لنا بيتها، وذكروا لنا أنها قد تابت. فقال أحدنا : إن كان قد فاتنا حسن صوتها وغناءها فما يفوتنا منظرها وحسنها. فغيرنا حليتنا، ولبسنا الفقراء، وأتينا إلى بابها، فطرقنا الباب فلم نشعر إلا وقد خرجت، وتمرغت بين أقدامنا وقالت : لقد سعدت بزيارتكم لي فقلنا لها : وكيف ذلك. فقالت : عندنا امرأة عمياء منذ أربعين سنة، فلما طرقتم الباب قالت : إلهي وسيدي بحرمة هؤلاء الأقوام الذين طرقوا الباب إلا ما رددت علي بصري، فرد الله بصرها في الوقت، قال: فعند لك نظر بعضنا إلى بعض وقلنا ترون إلى لطف الله بنا، لم يفضح سريرتنا فقال الذي أشار علينا يلبس الفقراء : والله لا عدت أقلع هذا اللباس من علي، وأنا تائب إلى الله – عزوجل - على يدي رابعة فقلنا له ، ونحن وافقناك على المعصية، ونحن نوافقك على الطاعة والتوبة فتبنا كلنا على يديها : وخرجنا عن أموالنا جميعها، وصرنا فقراء – كما ترى.
رابعة والمؤرخون : اختلفت آراء المؤرخين بخصوص حياة رابعة، فظهرت أساطير وحكايات عن تلك المرأة وأغلبها من الخيال، والخلافات بين الشخصيات التي عايشت زمن رابعة العدوية أمثال : رياح بن عمر القيسي، سفيان الثوري، عبد الواحد بن زيد، ومن هؤلاء المؤرخون الجاحط والعطار والمناوي والعديد منهم، وقد بالغ العطار في كتابته عن رابعة العدوية، إذ كتب عنها في حادثة السوق {أنها في أحد الأيام، كانت رابعة تقضي حاجة لسيدها، رآها رجل غريب وظل ينظر إليها بنظرات شريرة، فخافت منه وهربت، إلا أنها تعثرت وهي تركض، فأغمي عليها، فلما استيقظت أخذت تناجي ربها {إلهي، أنا غريبة يتيمة، أرسف في قيود الرق. ولكن غمي الكبير أن أعرف : أراض عني أم غير راض؟} .. عندها سمعت صوتا يقول لها { لاتحزني ففي يوم الحساب يتطلع المقربون في السماء إليك، ويحسدونك على ماستكونين فيه}.. وعندها اطمأن قلبها لذلك الصوت الغيبي، فنهضت وعادت إلى بيت سيدها}.