البعد النورولوجي والانفعالي للنسيان
أريد أن أضيف بعض المعلومات إلى ما سبق أن طرحته في موضوع آلية النسيان، حتى نوضح سياق تقديمه.
إن ما يتناوله الموضوع السالف الذكر، هو خلاصة ما طرحته التصورات المعرفية في سيكولوجيا الذاكرة، والتي تحاول فهم سيرورات اشتغال الذهن، أي كيف تشتغل الذاكرة على المستوى الذهني وما هي التقسيمات الممكنة لها. طبعا هذه التصورات جاءت نتيجة لعدة دراسات ميدانية تجريبية وبناء على اختبارات خاصة لذلك، وأيضا انطلاقا من ملاحظة أشخاص يعانون من اضطرابات على مستوى الذاكرة نتيجة لإصابة في الدماغ بعد حادثة سير أو ما شابه ذلك.
إلا أن موضوع النسيان يمكن أيضا تناوله وفق مستويين آخرين:
1) مستوى أول يخص الدراسات النورولوجية (أي دراسات علم الأعصاب) والتي توظف أحدث التقنيات للكشف عن كيفية اشتغال المخ في الزمن الفعلي. وفي هذا الباب تم تحديد مجموعة من المناطق في المخ المسؤولة عن تخزين أصناف محددة من المفاهيم (من مثل المفاهيم المتعلقة بالأشياء المادية، أو المفاهيم المتعلقة بالحيوانات، أو المفاهيم التي تخص الأثاث... وما إلى ذلك). إذ أن بعض الأفراد الذين أصيبوا في مناطق معينة من المخ، يجدون صعوبات مثلا في التعرف على أثاث البيت، أو التعرف على صورة شخص قريب منهم، في حين يستطيعون التعرف على إسمه... وقد أفضت هذه الدراسات النورولوجية إلى وضع خريطة دقيقة لمناطق تخزين المعلومات في المخ، وكيف تشتغل هذه المناطق فيما بينها. ويكون النسيان في هذا المستوى نتيجة لإصابة مباشرة للمخ، أدت إلى ضياع المعلومات منه نتيجة لإصابة الخلايا الدماغية المسؤولة عن تخزين هذه المعلومات، وبالطبع يكون تلف هذه المعلومات نهائيا، ولكن في بعض الحالات يمكن للفرد عبر إعادة التعلم أن يحل جزئيا أو كليا هذا المشكل.
2) مستوى ثان يخص البعد الانفعالي للذاكرة، وهذا المستوى يربط فقدان بعض المعلومات نتيجة لارتباطها بتجارب انفعالية سلبية في مجملها، إذ أن الفرد ومن خلال تنشيط آليات الدفاع لديه، حفاظا على توازنه النفسي، يحاول بشكل غير واع أن يمنع استحضار معلومات ترتبط لديه بتجارب انفعالية حزينة أو بخبرات قاسية مر بها، وتشكل في الآن نفسه مصدر عدم الاستقرار النفسي. وبذلك يكون النسيان في هذه الحالة نتيجة لتنشيط آليات الدفاع للحفاظ على التوازن النفسي، مادام أن الفرد عموما يميل إلى استحضار التجارب الإيجابية والسعيدة أكثر من استحضار التجارب السلبية والحزينة.
(ولنا عودة لهذا الموضوع)