آلية النسيان
إن المفروض في الذاكرة هو تخزين المعلومات، ولكن جزءا هاما من هذه المعلومات يضيع أو يتلاشى بسبب عامل النسيان، الذي ينقسم إلى نسيان بعيد المدى وآخر قصير المدى.
النسيان البعيد المدى
استنتج Tulving (1983) وجود علاقة بين النسيان وخصوصيَّة التَّرميز. انطلاقا من تجارب سنوات الستين والسبعين (TulvingوThomson،1973 : 352)، تأكد أن صعوبة النفاذ إلى الذكرى هي أصل المشكل. ولتوضيح ذلك طور Tulving مفهوم "خصوصية الترميز"، الذي يفسر أن تعلم شيء معين في سياقٍ مُعيّن يُسترجَع بشكل أفضل في سياقٍ مشابهٍ له، ويكون النسيانُ ناتجاً عن عدم القدرة على إعادة إنتاج تجربة الترميز الأصلية.
وعموما، فإن دراسة النسيان البعيد المدى، تفضي إلى وجود ثلاثة أسباب رئيسية له، ترتبط بالترميز وبشروط الاسترجاع، يلخصها Tiberghien (1991: 13-12) في النقاط التالية:
- إننا ننسى معلومات مهمة إذا كان ترميزها غير كاف؛
- إننا ننسى معلومات مُرمَّزة بشكل جيد ولكنها تُحجَب بمعلومات متداخلة أو بإعادة تنظيم لاحق لجزء من المخزون الذاكروي؛
- إننا ننسى لأن مُؤشِّرات الاسترجاع غير ملائمة، إما بسبب ضعف علاقتها الدلالية مع الذكرى، أو بسبب الاختلاف الدلالي لهذه المؤشرات عن شروط سياق الترميز.
إن الحديث عن النسيان إذن لا يعني أن المعلومات قد اندثرت، ولكن يصعب النفاذ إليها مؤقتا بسبب تأثير تداخلات مختلفة أو مؤشرات غير ملائمة للاسترجاع ناتجة عن تَغيُّرات المحيط، باستثناء المعلومات غير المرمزة بشكل ملائم والتي يُصبح استرجاعها مُشوَّشا.
النسيان القصير المدى
حاولت عدة نظريات شرح ظاهرة النسيان القصير المدى، وسنحاول إجمالها في اثنتان: نظرية التلاشي estompage ونظرية التداخل (FortinوRousseau، 1989؛Gordon ، 1989).
- تُعتبَر نظرية التلاشي أن للمعلومة، في الذاكرة القصيرة المدى، ديمومة جد محدودة، بحيث تبدأ في التلاشي بمجرد تَكوُّنها؛ وكلما طال فاصل الاحتفاظ، كلما ضعفت المعلومة إلى أن تندثر كلية. وإذا كان بإمكان سيرورة التكرار الذهني تأجيل تلاشي المعلومة، فإن تَوقُّف هذه السيرورة يفسح المجال لظهور النسيان. لكن هذا الافتراض يَشرح بصعوبة النسيان الذي نلاحظه في بعض الظواهر، خاصة في "تأثير كامين" l’effet de Kamin (Kamin، 1957)، الذي يفيد أن النسيان يتمظهر أكثر في المدى المتوسط منه في المدى القصير أو البعيد، وهو الأمر الذي يجد تفسيره في "مفهوم الأولوية" و"مفهوم الراهنية".
- ويتمظهر التداخل إذا تواجدت مجموعة من المعلومات في نفس الآن في الذاكرة القصيرة المدى أو في ذاكرة العمل، بحيث تُشوِّش كل معلومة على باقي المعلومات. كما تَعتبر نظرية التداخل أن المعلومات تبقى سليمة لأجل غير مُحدَّد بعد تَشكُّلها، وعلى هذا الأساس لا يَنتُج النسيان عن التلاشي المُتدرِّج لأثر ذاكروي، ولكنه يَنتُج عن تداخل المعلومات فيما بينها. وبناء عليه، لا يستطيع التكرار الذهني التصدي للنسيان من خلال الاحتفاظ بسلامة المعلومات، ولكن من خلال الحد من تَكوُّن معلومات جديدة. وباعتبار الذاكرة القصيرة المدى ذات سعة محدودة، فإن التداخـل، حسـب Doré وMercier(1992: 344) يعتبر ميلا لمعلومة حديثة إلى تحريك معلومة أقدم(عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]).
إن ختمنا لظاهرة النسيان يحتم تسجيل ملاحظتين أساسيتين:
- الأولى هي أن النسيان ليس فقط ضرورة ولكنه مفيد في الغالب، إذ يعتبر مفهوما لا يُمكن تجاهله بالنسبة للباحثين الذين يدرسون الذاكرة، فالنسيان هو الذي يُميِّز الذاكرة الإنسانية عن ذاكرة الأجهزة الاصطناعية.
- والثانية هي أن النسيان عمليات للتَّصفيَّة والاحتفاظ بما هو مهم والتخلص مما دون ذلك، وبالتالي يفيد النسيان في التخلص من جزء من الكمية الهائلة من المعلومات التي نصادفها كل يوم والتي لن تفيد في المستقبل. فإذا سلمنا باحتمال أن جهاز ذاكرتنا يُرمِّز ويُخزِّن كل ما يصل إليه، فسنكون مضطرين لافتراض جهاز ذاكروي ضخم بمصادر معتبرة للتخزين ذات مردودية هزيلة على مستوى الاشتغال.
وعموما نلخص عملية النسيان في الرسم الموالي:

نموذج توضيحي لأسباب النسيان(عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ])
([1]) نظن أن هذا الاستنتاج غير صائب لأن التداخل لا يتجسد في تحريك عنصر معين، بل في مدى تشابك واختلاط الخصائص المميزة لعنصر معين مع عنصر آخر لدرجة يصعب معها تحديد خصائص كل منهما على حدة. وكذلك الأمر بالنسبة لتلاشي معلومتين، وبالتالي امتزاج خصائصهما، وإذن تداخلهما على مستوى الذاكرة القصيرة المدى. أما على مستوى الذاكرة البعيدة المدى، فإن التداخل يتمثل في عدم خلق روابط كافية للتمييز بين المعلومات من خلال عدم الترميز الجيد لها، أو تشويش عوامل سياقية على ترميزها أو استرجاعها، أو عدم تداولها بشكل كاف حتى تتميز عن غيرها من المعلومات، وتتخذ شكلا واضح المعالم، يشكل وحدة قابلة لأن تخلق علاقات خاصة مع وحدات أخرى.
([2])نقلا عنTiberghien (1991: 13).